السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
خبر منقول من bbc :
شريف الشريف
واشنطن
بثقة وقوة " اعتقد انكم جميعا تشاركونني الرأي أننا لا نستطيع الإقلاع ومعنا حقيبتان صاحبهما غير موجود على متن الطائرة".
كانت المتحدثة هي كبيرة طاقم الخدمة على رحلة فيرجين اتلانتيك المتجهة من لندن الى واشنطن وهي تبرر للركاب سبب تأخر إقلاع الطائرة.
كان مطار هيثرو مسرحا لعملية أمنية كبيرة الصيف الماضي
استقبل الركاب ( على الأقل المحيطون بي) هذا الإعلان بضجر شديد حيث كان قد مضى بالفعل ساعة ونصف على الموعد الأصلي لإقلاع الطائرة وكان معظمهم على أقل تقدير قد اصيب بالملل الشديد.
أما فكرة أن زمن الرحلة نفسه سيستغرق اكثر من ثماني ساعات فكانت تبعث على المزيد من عدم الراحة في نفوسهم.
في النهاية كلفتنا حقيبة "أخينا" المتغيب ساعتي تأخير وصلت بدرجة الشعور بالضيق بين الركاب الى منتهاها خاصة أنها تلت إجراءات أمنية معقدة مررنا بها قبل جلوسنا في مقاعدنا بالطائرة.
هيثرو
في مطار هيثرو بلندن، الذي كان مسرحا لعملية أمنية كبرى اثارت أصداء واسعة الصيف الماضي، طلب من كل مسافر إفراغ جيوبه وخلع الحذاء قبل دخول منطقة السوق الحرة عبر بوابة الكترونية وهو الإجراء الأمني الذي اصبح روتينا في اعقاب المحاولة الشهيرة لمفجر الحذاء ريتشارد ريد قبل خمسة أعوام تفجير طائرة اثناء رحلة بين بريطانيا والولايات المتحدة.
سبق ذلك عدم السماح لنا بالمرور قبل أن يتخلص كل منا من زجاجة المياه المعدنية التي يحملها، أما السيدات فطلب منهن أن يخرجن مستحضرات التجميل التي يحتفظن بها في حقائبهن لتوضع في اكياس بلاستيكية وزعت عليهن وطلب الأمر نفسه من كل من كان يحمل مستحضرات طبية او معاجين معبأة في زجاجات.
ما أن تجاوزت البوابة الأولى بعد تفتيشي ذاتيا حتى فوجئت بجهاز أشعة آخر طلب مني عنده خلع الحذاء مجددا وتمريره عبر الجهاز ذي الشاشات.
في السوق الحرة توقفت عند احد متاجر المستحضرات الطبية البريطانية الشهيرة لكي اشتري كريما للحساسية. سألتني البائعة عن رقم الرحلة وبطاقة الصعود للطائرة. رددت عليها و"ماذا يعنيك من هذا الأمر؟". كان الرد جاهزا .. إنه إجراء أمني لابد أن تلتزم به اذا كنت تريد شراء هذا الكريم.
أما أنا شخصيا فكان من نصيبي خلع الحذاء مرة أخرى قبل ركوب الطائرة مباشرة وتفتيشي ذاتيا وبدقة شديدة للمرة الثالثة.
ضابطة أمن أخرى قامت بتفتيش محتويات حقيبتي التي كنت سأصعد بها للطائرة قبل أن تعيدها الى وهي تشكرني بنظرة "أنا لا أفعل سوى واجبي".
لا أذكر أنني شهدت في أي رحلة طيران لي من قبل مثل هذه الإجراءات الأمنية او التواجد من جانب عناصر أمنية ملأت القاعة التي كنا ننتظر فيها لركوب الطائرة. وكان بعض هؤلاء يجول متفحصا الركاب بدقة عله يجد شيئا ما! التفتيش الذاتي حدث لركاب آخرين ولكن ما أدهشني حقا أن بعض هؤلاء كانوا أطفالا لم يتجاوزوا العاشرة من عمرهم.
خلع الحذاء اصبح إجراء روتينيا منذ محاولة ريتشارد ريد
واشنطن
"من أين انت قادم؟" كان هذا ضابط إدارة الهجرة في مطار دالاس بواشنطن وهو يحدثني بلهجة جادة اثناء تفحصه لوثيقة سفري..
-من لندن
-ما هو سبب مجيئك؟
-زيارة أصدقاء
-كم تعتزم المكوث؟
-أسبوعين.
-هل معك سلاح أو أي مواد مخدرة أو كيميائية أو لحوم أو حيوانات حية؟ أجبت بلا
-هل معك نقود تتجاوز العشرة آلاف دولار؟ رددت بابتسامة.. "ولا عشر هذا المبلغ".
طلب مني ضابط الهجرة أن اضع يدي على أحد الأجهزة لأخذ بصمة أصبعي السبابة الأيسر ثم الأيمن ثم الوقوف للتصوير أمام كاميرا رقمية صغيرة موضوعة على مكتبه.
نظر لي مرة أخرى وهو يضع خاتمه على وثيقة سفري وقال "مرحبا بك في الولايات المتحدة الأمريكية".
تذكرت عبارة كانت موضوعة على مدخل ادارة الهجرة بالمطار ولم يكن أمامي غيرها طيلة انتظار دوري في طابور الوصول لمدة ساعة. كانت العبارة تقول " نحن نرحب بك في الولايات المتحدة ونعمل أيضا على تأمين بلادنا".
بعد ذلك بيومين كانت قناة سي إن إن في بثها الداخلي للولايات المتحدة، وكل القنوات الأمريكية " فوكس نيوز - ايه بي سي - سي بي اس تفرد تغطية خاصة لمحاولات التفجير الفاشلة في بريطانيا.
أخبار احباط التفجيرات باستخدام سيارات مفخخة غطت ولعدة أيام متصلة على كافة الأخبار الأخرى، حتى اخبار الولايات المتحدة وأخبار الخلافات بين الرئيس جورج بوش وأعضاء الكونجرس تراجعت بشكل جعلني اشعر أنني اتابع تلفزيون البي بي سي او أي محطات بريطانية أخرى وليس المحطات الأمريكية.
الحديث عن السيارات المفخخة في لندن سيطر على كافة وسائل الإعلام الأمريكية
كانت التغطية تتركز على ثلاث قضايا رئيسية أولها: الشكل الجديد الذي كان يعتزم به تنفيذ التفجيرين (سيارة مفخخة) كما لو كان الأمر يحدث في أحد شوارع بغداد أو كابول.
الثاني: إلى أي درجة يمكن أن يحدث الشئ نفسه في الولايات المتحدة خاصة وأن هذا الأسبوع كان يتزامن مع احتفالات عيد الاستقلال في الرابع من يوليو/تموز وسط تحذيرات من تعاظم خطر تنظيم القاعدة.
الثالث، تساؤل عما إذا كان يجب على الإمريكيين تبني نظام كاميرات المراقبة لتأمين الشوارع على غرار النظام المطبق في المدن البريطانية الكبرى والذي اثبت فعاليته.
كان صديقي الذي مكثت ضيفا عنده متعجبا من هذه التغطية التي لم يشهدها من قبل من جانب وسائل إعلام محلية أمريكية لخبر خارجي.
رددت عليه " إنها الشراكة في الحرب ضد الإرهاب".
كنت اتابع هذه الاخبار وأنا اتذكر الإجراءات الأمنية التي صاحبت خروجي من مطار هيثرو. وجدت نفسي أكثر قدرة على تقبل هذه التجربة "المزعجة" ولكنني كنت اتحسب في الوقت نفسه لرحلة العودة.. فإن كان الأمر كما سبق قبل الإعلان عن احباط التفجيرات فكيف سيكون الأمر الآن.
لم تعد حياة أحد الآن اكثر سهولة
ضابط أمن بمطار دالاس الأمريكي
عند بوابة المغادرة في مطار دالاس كان في وداعي صديقان.. سألني ضابط الأمن الأمريكي وهو يتفحص وثيقة سفري إلى اين انت متجه؟ قلت لندن.
-هل لندن هي مقصدك الأخير من الرحلة؟ أجبت بنعم.
-هل قمت بترتيب حقائبك بنفسك؟ "نعم".
ألصق ضابط الأمن ورقة صغيرة على وثيقة سفري تفيد بأنه تحقق من شخصيتي وتركني ليتحدث مع المسافر التالي.
وقفت ومعي صديقاي في الطابور في انتظار دوري أمام مكتب شركة الطيران لأحصل على بطاقة ركوب الطائرة. كنا نتحدث ونتمازح بالعربية.
فوجئت بعد دقائق بضابط الأمن نفسه يعود لي مرة أخرى وقال : "هل لي في وثيقة سفرك من فضلك؟" أعطيته الوثيقة فتركني وذهب بها لمكتبه، ولمحته يقوم بتسجيل بيانات الوثيقة في ورقة قبل أن يعود ومعه بطاقتين الصقهما بحقيبتي.
"سيليكتي"
لم أكن قد قرأت بعد ما تحمله البطاقتان عندما سألته بالانجليزية وانا ابتسم " هل ستجعلان حياتي أكثر سهولة؟"
رد الابتسامة بأخرى متحفظة قائلا " لم تعد حياة أحد الآن اكثر سهولة ".
نظرت لإحدى البطاقات التي ألصقها بحقيبتي . كانت تقول "هذه الحقيبة بحاجة للمزيد من الفحص. نرجو عدم تحميلها مع باقي الحقائب قبل القيام بهذا" .
تملكني شعور بالغيظ ونظرت للمسافرين الذين سبقوني في الطابور فلم أجد أي حقيبة أخرى تعلوها هذه البطاقة.
نظرت موظفة شركة الطيران الى الحقيبتين وتفحصت البطاقتين وسألتني هل هاتان هما كل حقائبك؟ قلت نعم.
قامت بوزنهما واعطتني بطاقة الصعود الى الطائرة بعد أن ختمتها بخاتم إضافي لم أعرف طبيعته إلا بعد أن صاحت موظفة الأمن وانا ادخل قاعة المغادرة "سيلكتي" او (SELECTEE) . قدم إلى ضابط أمن آخر قائلا " اتبعني من فضلك ".. علمت عندها أنني حصلت على لقب "سيلكتي" الذي يعني أنني سأتعرض لإجراءات امنية إضافية على غرار ما سيحدث لحقيبتي سفري.
طلب مني خلع الحذاء و إفراغ محتويات جيوبي وخلع حزام السروال وبدأ الضابط تفتيشي ذاتيا بدقة بينما قام آخر بفتح حقيبة ثالثة كنت أحملها على كتفي. بدأت اشعر بالضيق ولكني حاولت أن الطف من الموقف على نفسي.
سألت الضابط "على أي اساس منحتموني هذا اللقب"؟ رد " هذا إجراء عشوائي.. لماذا تسأل؟"
-" أنا صحفي ولا أؤمن بالعشوائية في أي شئ خاصة في الإجراءت الأمنية".
-وفي أي صحيفة تعمل؟ ليس في صحيفة ولكن في البي بي سي.
أومأ برأسه ايماءة من يعرف البي بي سي جيدا ولمست تغييرا في نبرته الجادة وسألني "هل استمتعت بإقامتك هنا؟". لم أرد.
في السوق الحرة بمطار دالاس التقطت زجاجة من عطري المفضل وعندما توجهت للدفع فوجئت بأنه لن يكون بمقدوري وضعه في حقيبتي. قالت لي البائعة "اعطنا بطاقة الصعود للطائرة وستسلم لك الزجاجة عند وصولك".
خاطبت البائعة بلهجة محتدة، وانا اعرف أن لا ناقة لها ولا جمل في هذا، قائلا " سيتوقف الناس قريبا عن السفر بالطائرات ما دام الأمر اصبح كذلك".
تملكني شعور بالتمرد وقررت عدم شراء العطر. قلت لنفسي " إذا اشتريته سيظل يذكرني بهذه الإجراءات الأمنية المزعجة في كل مرة استخدمه".
في مطار هيثرو اشتريت العطر نفسه. ورغم أن سعره كان أغلى بثمانية دولارات عنه في مطار دالاس إلا انني كنت سعيدا به للغاية وغادرت السوق الحرة إلى طريق الخروج وأنا يتملكني شعور بالانتصار!!