ليتني في مكانٍ غير هذا المكان وزمانٍ غير هذا الزمان
قالها بصوت متوهج عندما كان المحقق يصغي إليه في محاولة منه لفهم هذا الشخص الجالس أمامهم
كان يبدوا عليه المرض , عيناه الناثرتان شاهد على رمله الوهن الذي قطع منها الشيء الكثير
وهالات السواد التي تحيط بهما شاهد آخر على انطفاء شعلة الشباب في محيا ذلك الرجل...
نظراته الذابلة تحكي قصة الحلم الذي يحتضر على طرقات اليأس المعتمة,,,
أطلق آهةً مرتعشة كعصفور صغير بلله المطر ... وقال !! سراب ... سراب
نظل نركض ... ونركض .. ونضيع في الدروب ألتيه تسحق أقدامه معالم الحقيقة وتتبعثر الأحلام الضبابية
في صحراء القلوب الضائعة وتُوصد الأبواب المشرعة في وجوهنا لنشهد اختناق الفجر وتعلق مشاعرنا على
أسلاك العذاب الشائكة وتعبث أصابع الإعصار بميلاد الزهور الوردية على الأكف العتيقة!!!
المضرجة برائحة الارتحال لتطمس عن أعيننا الحقيقة الوحيدة وهي أن الحياة دائماً تظل كالسراب !!!
ولكن
قطع صوت المحقق حديثه ,,, ( ولكن حدثني عن سبب إقدامك على هذه الجريمة البشعة...وأنت كما يبدوا لي من
كلامك إنسان مرهف الحس رقيق المشاعر
رمق المحقق بنظرة ذابلة ؟؟ وتابع الحديث ( أيُّ جريمة تريدني أتحدث عنها ؟؟ قتل ذلك الرجل !!
أنا لا أعدها جريمة .. بل عمل شريف ,, أستحق عليه وساماً !!!!
يضحك بصوتٍ عالٍ والمحقق ينظر إليه باندهاش شديد!!!
يتابع حديثه لابأس سأفتح جرح القلب من جديد لينزف من جديد ,,,
كنت كسائر الأطفال أنعم بحياة هادئة في ظل والدي ... ولكن !!! يخطف القدر مني والدي وتركني يتيماً
ضعيفاً لاحول لي ولا قوة وكان يرافقني قلب ضبابي تلفه علالة رقيقة من الحب ...
نسجت حولي خيوطاً من الدفء كانت دائماً تقف خلفي لتسندني عندما أُصاب بالزرار من دوامة الحياة ,,
وتلملم كبريائي المتكسر تحت أقدام ذلك الرجل الذي اختارته رغماً عنها ليكون زوجاً لها بعد وفاة والدي ....
ولكن اخطأ ظنها فقد كان بركاناً ثائراً يرمينا بحممه الحارقة ,, في كل وقت وكل حين..
ذئباً ينهش أجسادنا بلا رحمة .
توقف عن الحديث برهة ,,,,
ونظر إليه المحقق فإذا الدموع تملاْ عيناه والألم يعتصر قلبه
فحاول إيقافه تعاطفاً منه مع ذلك الجسد المتهالك مع بقايا ذلك الإنسان ولكنه رفض وأصّر على مواصلة الحديث
أمي المريضة لم تع تحتمل ذلك الوحش البشري,, جسدها المنهك من كثرة الضرب ...
عيناها المتقرحة من كثرة البكاء وأخيراً جرّها الذي لايندمل في إحالتها إلى شبح إنسان ينتظر الموت
وتجتاح الأمواج الثائرة كل مظاهر الهدوء النفسي ... يهتز منها في داخلي ما كان طيلة تلك الأيام محافظاً على
تماسكه
فهبَّ الألم من رقدته ثائراً غاضباً... مارداً.. وأنصبّ على جسد ذلك الرجل ولم أشعر بنفسي إلا وأنا اخنقه بيدي
المرتعشتين!!!! وكل مشاعر الكره ... والبُغض ... والحقد ... ترجي في دمي لتمدني بقوة هائلة استطعت معها أن
أقضي على ذل الرجل في غضون دقائق؟؟؟؟؟؟
ولم أفق إلا من صراخ أمي ,,, والناس الملتفة حولي تنظر إليّ باستغراب كيف تحولت إلى وحشٍ كاسر
ولمحتُ في أعينهم الشفقة المغموسة بالحزن عليّ
هدي من روعك .... قالها المحقق بصوت مخنوق يعتصره الألم حزناً منه على ذلك الشاب ... المنكسر أمامه
بعد أن انهارت قواه ...وبلت عيناه .. ثيابه من كثرة البكاء ,,, وبعد أن حاول تهدئته ....
أمر الضابط ؟؟ أن يحضر له كوباً من الماء ليطفئ به ذلك الجوف المحترق من الألم!!!
والآن اهدأ وتمالك نفسك وحاول أن تستجمع قواك ... قالها المحقق بعد أن شرب كوب الماء وبأت نفسه تستكين
فبعد أن اعترفت بذبك هل تظن أن ما فعلت كان حقاً ؟؟؟
أجاب ...
لم يكن أمامي من طريق للخلاص منه.. ما عدت أحتمل أيّ شخص حتى روحي ألتي تملأ صدري لم أعد أريدها
أعماله أجبرتني على أن أصير إلى ما صرت عليه الآن ...
قالها بعد أن سمع حكمه وعرف مصيره !!!!!
بوح قلمي وصدى وجداني